ابن أبي مخرمة
295
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
قال : وحكى والدي عن الفقيه أبي بكر السرددي قال : كنت بلحج أعلّم لبعض أعيانها ، فجرى ذكر أبي نواس وأبياته الكافيّة التي يقول فيها : [ من الرمل ] أنعمي بالوصل يا سيدتي * وانحلينا عسلا من عككك ما على أهلك بل ما ضرهم * لو مشينا ساعة في سككك ليتني جارك بل يا ليتني * تكة منقوشة من تككك قال : فحاول جماعة ممن يتعانى الأدب التذييل عليها بأبيات على لفظها ، فلم يقدروا ، فقلت في ذلك أبياتا ، منها : ليتني يا دار سلمى ليتني * دكة مفروشة من دككك ثم ساقني المقدور إلى عدن ، وعرضت لي حاجة إلى الجزري ، فكتبت إليه في حاجتي ، فلما وقف على رقعتي . . استدعاني ورحب بي وأكرمني ، واستنشدني الأبيات ، فرويتها له ، وعمل غالب أهل عدن كل منهم أرجوحة ، وهي المدروهة ، وتسمى في عرف الناس اليوم : المدراهة ، وهو ما يعتاد أهل اليمن عمله لمن حج أول حجة ، وعند نصبها - إذا كانت لرجل ذي رئاسة - يقوم الشعراء بأشعارهم يمدحون بها من عملها ومن عملت له ، وكان الجزري قد عمل واحدة باسم السلطان ، فأشار إليّ أن أعمل شيئا من الشعر في ذلك المعنى ، ففعلت ، فلما اجتمع الناس عند ذلك ، وأراد الشعراء إنشاد ما نظموا . . أمرني بإنشاد ما قد عملت ، فقمت بقصيدة في السلطان ، فرمى علي بكسوة جيدة ، فتشبه به جماعة من التجار ، ثم رمى لي بدنانير من الذهب ، ففعل الحاضرون مثله ، فاجتمع لي من الذهب والفضة والكسوة شيء كثير ، وكله ببركات الجزري . ولما رجع المظفر من الحج . . أقام بتعز مدة ، ثم نزل إلى عدن ، فاشتكى أهل عدن إليه من الجزري ، فأمر القاضي البهاء أن يحاقق بينه وبينهم ، فقالوا : لا نفعل ذلك حتى يكون بأيدينا ذمة من السلطان أنه لا يعود الجزري متصرفا علينا ، ففعل لهم المظفر ذلك ، وحاقق بينه وبينهم القاضي البهاء في الجامع ، وحققوا عليه جملة مستكثرة ، وهموا أن يبطشوا به لولا أن جماعة من غلمان الدولة حموه من ذلك ، فصودر ، ثم ضرب ثلاث ضربات ، فسلّم ثلاثين ألف دينار ، ثم ضرب بعد ذلك وعصر ، فلم يقدر على شيء ، فآل به الحال أن صار جواريه وبناته يدرن في بيوت الناس من أصحابه وغيرهم ، واشتد به الضرر ، فلما تحقق